ابن الجوزي
129
صفة الصفوة
أحمد بن الزّبرقان قال : سمعت عبد اللّه بن المبارك يقول : إن الصّالحين فيما مضى كانت أنفسهم تواتيهم على الخير عفوا وإن أنفسنا لا تكاد تواتينا إلّا [ على ] كره فينبغي لنا أن نكرهها . عن القاسم بن محمد قال : كنا نسافر مع ابن المبارك فكثيرا ما كان يخطر ببالي فأقول في نفسي : بأيّ شيء فضّل هذا الرجل علينا حتى اشتهر في الناس هذه الشهرة ؟ إن كان يصلي إنّا لنصلي ، ولئن كان يصوم إنّا لنصوم ، وإن كان يغزو فإنا لنغزو ، وإن كان يحج إنّا لنحجّ . قال : فكنّا في بعض مسيرنا في طريق الشام ليلة نتعشّى في بيت إذ طفئ السراج فقام بعضنا فأخذ السراج [ وخرج يستصبح فمكث هنيهة ثم جاء بالسّراج ] فنظرت إلى وجه ابن المبارك ولحيته قد ابتلّت من الدموع . فقلت في نفسي : بهذه الخشية فضّل هذا الرجل علينا ، ولعله حين فقد السراج فصار إلى الظلمة ذكر القيامة . قال المروزيّ : وسمعت أبا عبد اللّه أحمد بن حنبل قال : ما رفع اللّه ابن المبارك إلّا بخبيئة كانت له . قال المروزي : وأخبرت عن داود بن رشيد قال : كان ابن المبارك عند أبي الأحوص فجاء رسول فلان الهاشميّ بعض الولاة فقال : يقرئك السلام ويقول : يا أبا الأحوص هذا شهر رمضان وقد وسّعنا على عيالنا وهذه ألف درهم توسّع بها عليهم في هذا الشهر . قال أبو الأحوص : فعل اللّه به وفعل به . وقال : قل له يدعها عنده حتى إذا احتجنا إليها بعثنا فأخذناها . قال : وانسلّ ابن المبارك إلى منزله فجاء بألف فقال : يا أبا الأحوص هذه الألف تنفقها فأنّي لا آمن أن يكون قد بلغ أهلك فيخاصمونك ، وهذه من وجه أرجو أن تكون أطيب فقبلها . الحسن بن الربيع قال : سمعت ابن المبارك حين حضرته الوفاة وأقبل نصير يقول له : يا أبا عبد الرحمن ، قل لا إله إلّا اللّه . فقال له : يا نصير قد ترى شدّة الكلام عليّ فإذا سمعتني قلتها فلا تردّها عليّ حتى تسمعني قد أحدثت بعدها